الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
79
شرح ديوان ابن الفارض
منية ، يعني مطالبي كلها هاتيك الحضرة العالية التي تذهب فيها النفوس البشرية وبلغتها جملة دعائية معترضة ، وضمير أهيلوه راجع إلى قوله لمنى ، والتقدير وأهيلوه عندي المنى أيضا . وذلك كناية عن الأرواح القدسية والملأ الأعلى النازلين في هاتيك المنازل العليّة وإن ضنّوا بفيّ ، أي وإن بخلوا عليّ ومنعوا عنّي شهود العالم الجسماني والظل النفساني استغراقا في شهود العالم الروحاني ، وانتقالا من استجلاء لطائف المحسوسات إلى لطائف المعاني . اه . منذ أوضحت قرى الشّام وبا ينت بانات ضواحي حلّتيّ « منذ » : ظرف زمان مبني على الضم . و « أوضحت » : أي تبيّنت ورأيت . والقرى بضم القاف : جمع قرية ، وهي بفتح القاف وقد تكسّر المصر الجامع . و « الشام » : معروف حدّه طولا من الفرات إلى العريش . « وباينت » : فارقت . والبانات : جمع بانة ، والبان : شجر الخلاف . والضواحي جمع ضاحية : وهي الأماكن التي تتنحّى عن المساكن وتكون بارزة ، فضواحي دمشق مثلا القرى الواقعة حولها قريبا منها . و « حلّتيّ » : مثنى حلّة ، وهي بكسر الحاء منزل القوم وإنما ثنّاها لأن الرجل له حلّة في الصيف وحلّة في الشتاء . الإعراب : منذ : منصوب المحل على الظرفية ، والعامل فيه يرقّ في قوله بعده لم يرق لي منزل بعد النقا . وجملة أوضحت قرى الشام من الفعل والفاعل والمفعول والمضاف إليه في حل جر بإضافة منذ إليها . وباينت : معطوف على جملة أوضحت فمحلّها الجر أيضا . وبانات : مفعول مضاف إلى ضواحي المضاف إلى حلّتي المضاف إلى ياء المتكلم وحذفت النون للإضافة فأدغمت ياء التثنية في ياء المتكلّم . المعنى : حين سافرت من بلاد الحجاز وظهرت لي قرى الشام وفارقت منزل أحبابي ما صفا لي منزل بعد جيران النقا كما يفهم من البيت الذي بعده . وفي البيت جناس الاشتقاق بين أوضحت وضواحي ، وجناس شبه الاشتقاق بين باينت وبانات ، وتتابع الإضافات في البيت ليست موجبة للثقل فلا تخلّ بالفصاحة . ( ن ) : قرى الشام كناية عن عالم الغفلة والغرور لأنهم شمال الكعبة بيت اللّه قد نبذوا اللّه وراء ظهورهم ، يعني من حين كشف لي عن أحوال الغافلين خواطرهم في نفوسهم . وقوله ضواحي حلّتي إنما ثناها وأضافها إلى نفسه باعتبار حالة الجلال التي يكون فيها وحالة الجمال فإنهما منزلان ينزلهما السّالك في طريق اللّه تعالى . والمعنى